يحيي بن حمزة العلوي اليمني

39

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وأنهم لا يبالون معها بأحد ، ولا ينال فيهم نيل ، وفي تقرير ضمير ( هم ) اسما ، وإسناد المنع والحصون إليهم ، دلالة بالغة على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة ، لا ترمى حوزتهم ، ولا يغزون في عقر دارهم ، ولو أخر الخبر لم يعط شيئا من هذه الفوائد ، ومن هذا قوله تعالى في قصة إبراهيم أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ [ مريم : 46 ] فإنما قدم خبر المبتدأ ولم يقل : أنت راغب ، ليدل بذلك على إفراط تعجبه في الميل عنها ، ومبالغة في الاهتمام بأمرها ، وواضعا في نفسه أن مثل آلهته لا تنبغى الرغبة عنها ولا يصح الإعراض عن عبادتها ، ومن رائق ذلك وبديعه قوله تعالى : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 97 ] فإنما قدمه ولم يقل : أبصار الذين كفروا شاخصة ، لأمرين : أما أولا فلأنه إنما قدم الضمير في قوله ليدل به على أنهم مختصون بالشخوص دون غيرهم من سائر أهل المحشر ، وأما ثانيا فلأنه إذا قدم الخبر أفاد أن الأبصار مختصة بالشخوص من بين سائر صفاتها من كونها حائرة أو مطموسة أو مزورة إلى غير ذلك من صفات العذاب ، ولو قال : واقترب الوعد الحق فشخصت أبصارهم ، لم يعط من هذه الأسرار معنى واحدا ، ومن دقيق التقديم وغريبه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم وقد سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال مجيبا للسائل : ( هو الطهور ماؤه والحل ميتته ) وإنما قدم الخبر على المبتدأ في الأمرين جميعا لغرضين ؛ أما أولا فلأن يدفع بذلك إنكار من ينكر الحكمين جميعا ؛ جواز التوضؤ وحل ميتته ، لأنه ربما يسنح في النفوس من أجل كونه زعاقا مختصا بالملوحة البالغة فلا يجوز التوضؤ به ، وإن كان ميتا فلا يحل أكله لعدم الذكاة فيه ، فقدم الخبر من أجل دفع ذلك وإزالته ، وأما ثانيا فلأجل التنبيه على الاختصاص بكونه أخص الأمواه بجواز التوضؤ به لصفائه ورقته ، وأن ميتته حلال لا يشوبها في طيب المكسب ، وحل التناول شائب ، ولو قال في الجواب : هو الذي ماؤه طاهر ، وميتته حلال ، نزل عن تلك الرتبة وفاتت عنه المزية . الصورة الثالثة في [ تقديم الظرف وتأخيره ] اعلم أن الظرف لا يخلو حاله إما أن يكون واردا في الإثبات ، أو يكون واردا في النفي ، فإذا ورد في الإثبات فتقديمه على عامله إنما يكون لغرض لا يحصل مع تأخيره فلا جرم التزم تقديمه ؛ لأن في تأخيره إبطالا لذلك الغرض ، ثم هو على وجهين ؛ أحدهما أن يكون